تخيل أن تستيقظ كل صباح في المكان نفسه، وسط آلاف المسافرين الذين يأتون ويذهبون… بينما أنت لا تستطيع أن تذهب إلى أي مكان.
هذه ليست قصة من فيلم سينمائي، بل قصة حقيقية لرجل إيراني اسمه مهران كريمي ناصري، أصبح واحدًا من أشهر سكان المطارات في العالم بعد أن عاش نحو 18 عامًا داخل مطار شارل ديغول بالقرب من باريس.
كان ناصري يعرف بين العاملين في المطار باسم «سير ألفريد»، وتحولت مقاعد صالة المغادرة وحقائبه وأوراقه إلى تفاصيل ثابتة في حياته اليومية. لكن كيف انتهى به الأمر هناك؟
كيف بدأت قصة مهران كريمي ناصري؟
وصل ناصري إلى مطار شارل ديغول عام 1988 في ظل مشكلة معقدة تتعلق بوثائق السفر والإقامة. وبسبب وضعه القانوني، وجد نفسه عالقًا في منطقة المطار. حيث لم يكن قادرًا على السفر بالطريقة المعتادة أو بدء حياة مستقرة خارج المطار. ومع مرور الوقت، أصبح المطار مكان إقامته الفعلي.كان ينام على مقعد، يقرأ الصحف والكتب، ويعيش وسط حركة المسافرين اليومية. بينما تحولت حياته غير العادية إلى قصة يعرفها الكثير من العاملين في المطار.
المفاجأة.. لم يبقَ هناك فقط لأنه لم يجد أوراقًا
هذه واحدة من أهم التفاصيل التي تغيب عن كثير من المنشورات المتداولة حول قصته. ففي عام 1999، حصل ناصري على وضع لاجئ في فرنسا وتصريح إقامة، وفق مصادر فرنسية وأرشيف المعهد الوطني الفرنسي للسمعي البصري INA. لكن قصته لم تنتهِ عند هذه النقطة؛ فقد رفض، بحسب تلك المصادر، استلام أو توقيع أوراقه الجديدة، واستمر في العيش في المطار. وهكذا تحولت القصة من مجرد مشكلة أوراق وهجرة إلى حالة إنسانية شديدة التعقيد.
18 عامًا بين المغادرين والقادمين
بين عامي 1988 و2006، عاش ناصري في المطار، وأصبح وجهًا مألوفًا للعاملين والمسافرين. كان يملك مساحة صغيرة من عالم ضخم؛ يمر أمامه آلاف الأشخاص يوميًا، يحمل كل واحد منهم حقيبته ويتجه إلى وجهة جديدة. أما هو… فكان دائمًا في المكان نفسه.وفي عام 2006، غادر المطار بعد تدهور حالته الصحية ونقل إلى المستشفى، ثم عاش لاحقًا في أحد مراكز الإيواء في باريس.
قصته تحولت إلى فيلم عالمي
لم تبقَ قصة ناصري داخل جدران المطار.فقد ألهمت تجربته فيلم The Terminal للمخرج ستيفن سبيلبرغ، الذي صدر عام 2004، وبطولة توم هانكس. لكن الفيلم ليس نسخة حرفية من حياته؛ بل قصة خيالية استلهمت بشكل فضفاض تجربة الرجل الذي وجد نفسه عالقًا في مطار باريس لسنوات.
النهاية الأكثر غرابة
ربما الجزء الأكثر إثارة في القصة حدث بعد كل تلك السنوات. ففي عام 2022، عاد ناصري إلى مطار شارل ديغول، وبعد أسابيع قليلة توفي هناك عن عمر 76 عامًا إثر أزمة قلبية، وفق السلطات ومصادر صحفية نقلت عن إدارة المطار. وهكذا، المكان الذي كان يومًا محطة مؤقتة في حياته أصبح المكان الذي عاش فيه أشهر سنواته… ثم شهد نهايتها.
قصة تتجاوز فكرة المطار
قصة مهران ناصري ليست فقط قصة رجل عاش في مطار. إنها قصة عن الوثائق والحدود والهجرة والهوية، وعن مدى سهولة أن تتحول قطعة من الورق إلى الحد الفاصل بين أن تكون قادرًا على السفر أو أن تبقى عالقًا في مكان واحد. وفي الوقت نفسه، تذكّرنا قصته بأن الحقيقة أحيانًا تكون أكثر تعقيدًا من الرواية المنتشرة على مواقع التواصل. رجل دخل المطار مسافرًا… وبقي فيه 18 عامًا، ثم عاد إليه في نهاية حياته. وربما لهذا السبب، ظلت قصته عالقة في ذاكرة العالم حتى بعد رحيله.
المصادر
- الأرشيف الوطني الفرنسي INA – قصة «سير ألفريد»
- The Guardian – تفاصيل حياته في المطار
- الجزيرة – وفاته وقصة إقامته في المطار
- Euronews/AFP – تفاصيل قصته ووفاته


